ست العجم بنت النفيس البغدادية
88
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية
فالصفة اسم غير ظاهر ، فإذا ظهر يطلق عليه الاسم ، فالفرق بين الصفة والاسم التمكين بالظهور لا غير لكن تمتاز بالظهور مع زيادة تمكين ، فإن الرحمة كانت سابقة على اسم الرحمن ، فلما رحم تسمى رحمانا ولهذا قال له : أنت موصوف بالوصف لأنه في هذا المقام أظهر من وصفه ، فلولا أنه أظهر من اسمه لسماه باسم الوصف ولم يطلق عليه أنت لكن الإشارة بأنت لا يكون إلا بعد ظهور الموصوف على أوصافه لأنه يستعلي عليه . وقوله : ( ومنعوت بالنعت ) يريد به أن النعوت تكرار الصفة فمتى تكررت الصفة زادت تمكينا وأطلق عليها اسم النعت ، لكن الصفة أظهر منه والنعت أكثر تمكينا منها ، ومن أجل أنها أظهر كانت أشد لطافة ، ولما لطفت كثر استعمالها على ألسن الناطقين فهي إلى النطق أقرب من النعت ، ولهذا يبتدئ الناطق بالصفة لأجل التعريف اللائق بالموصوف ثم يبالغ في الوصف إلى الغاية فيصير الوصف نعتا ، فكأنه قال : أنت مسمى بالاسم ، إذ هو موجب التعريف ، فالابتداء به هو موصوف بالصفة ، لأنها أصل نشأة الاسم ، ولأجل التعارف أظهر الاسم عليها ، ومنعوت بالنعت لأنك غاية المعرفة فتكرار أسمائك للناطق بها زيادة تمكين في التعريف . وقوله : ( وهو كمالك ) يريد به أن الكمال الظاهر اللائق باللّه تعالى لا يعرف إلا بالصفات والأسماء والنعوت ، فمن كمال اللّه تعالى أن يعرف العبد كمال نفسه إذ الكمال له على الحقيقة ، فلا يعرف كمال اللّه تعالى إلا بعد الإحاطة بالأسماء والصفات في رتبة الفناء ، فكأنه قال : ما ظهر كمالك لي إلا بعد معرفتي بحقيقة أسمائك وصفاتك وهذه المعرفة هي معرفة كمال ذاتك عندي . ( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : لا يعرف الموجود إلا المعدوم ، ثم قال لي : لا يعرف الموجود على الحقيقة إلا الموجود ، ثم قال لي : الوجود مني لا منك وبك لا بي ) ] . ( ش ) أقول : مراده بقوله هذا أن الموجود على الحقيقة هو اللّه تعالى لا يعرفه إلا من فني في ذاته وانطلق عليه اسم هويته فلا يبقى للشاهد سوى إدراك الهوية ، وهذا الإدراك لا يكون إلا في ظلمة تمحو عيان الكثرة وتبقى عين واحدة ، فيطلق عليها اسم الهوية وهذا نسميه شهود الوقفة والمحو والفناء وغير ذلك ، فكأنه قال : لا يعرفني على حقيقتي إلا من فني في ذاته واتصف بصفاتي ، وهذا هو معنى قول كبار السلف : لا يعرف اللّه إلا اللّه ، فمن وصل إلى مقام الفناء دخل في عموم اسم اللّه تعالى ، فلا يعرف اللّه إلا من اتصف بهذا الوصف وليس كل من شهد صورة ينطلق عليها اسم اللّه تعالى في شهوده يسمى عارفا ،